القرطبي
280
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار إن في ذلك لأيت لقوم يتفكرون ( 3 ) قوله تعالى : ( وهو الذي مد الأرض ) لما بين آيات السماوات بين آيات الأرض ، أي بسط الأرض طولا وعرضا . ( وجعل فيها رواسي ) أي جبالا ثوابت ، واحدها راسية ، لأن الأرض ترسو بها ، أي تثبت ، والإرساء الثبوت ، قال عنترة : فصبرت عارفة لذلك حرة * ترسوا إذا نفس الجبان تطلع ( 1 ) وقال جميل : أحبها والذي أرسى قواعده * حبا إذا ظهرت آياته بطنا وقال ابن عباس وعطاء : أول جبل وضع على الأرض أبو قبيس ( 2 ) . مسألة : في هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة ، ورد على من زعم أن الأرض تهوي أبوابها عليها ، وزعم ابن الراوندي أن تحت الأرض جسما صعادا كالريح الصعادة ، وهي منحدرة فاعتدل الهاوي والصعادي في الجرم والقوة فتوافقا . وزعم آخرون أن الأرض مركب من جسمين ، أحدهما منحدر ، والآخر مصعد ، فاعتدلا ، فلذلك وقفت . والذي عليه المسلمون وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض وسكونها ومدها ، وأن حركتها إنما تكون في العادة بزلزلة تصيبها . وقوله تعالى : ( وأنهارا ) أي مياها جارية في الأرض ، فيها منافع الخلق . ( ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ) بمعنى صنفين . قال أبو عبيدة : الزوج واحد ، ويكون اثنين . الفراء : يعني بالزوجين هاهنا الذكر والأنثى ، وهذا خلاف
--> ( 1 ) قبل البيت : وعرفت أن منيتي إن تأتني * لا ينجني منها الفرار الأسرع ( 2 ) أبو قبيس : جبل مشرف على مسجد مكة .